السبت الماضي لأجد نفسى أشعر بصداع عظيم. ظننت أنه كالعادة بسبب قلة النوم. فما لبثت أن شربت كوبا من القهوة، بل كوبين وابتلعت حبات المسكنات ظنا مني أن ذلك قد يطفئ نار الصداع. ولكن يبدو أني كنت مخطئاً. وكيف لا! فقد لاحظت ظهور آلام بالعين واختفاء لحاسة التذوق بالفم. (يبدو وأننا مقبلون على أيام تاريخية يا فندم.)
استمر الوضع في الاستياء والأعراض في الازدياد حتى حدثت المفاجأة فى اليوم الثالث. فها هو يقفز أمامي من داخل رأسي الى راحة يدي. صفير قصير يبدو مألوفا بالنسبة لي. لقد رأيته من قبل ولكن منذ زمن بعيد. نعم نعم تذكرت الآن، هو ذاك الذي كنا نستذكره في علم الاحياء. ماذا كان اسمه؟ ماذا كان اسمه؟ نعم كان اسمه neuron و بالعربية " عصبون". ما كدت أنطق اسمه حتى صرخ في "أنا مش أي عصبون يا أستاذ. أنا العصب السابع". دائما ما كنت أكره علم الأحياء ولا عجب إذا من عدم إدراكي للفارق فأنا آتي من خلفية هندسية. ولكن مهلا، معلوماتي البسيطة تخبرني أنه لا يجب أن يكون هنا في راحة يدي. هل ضل طريقه؟ وماذا يريد مني؟ طردت الأفكار الشريرة من رأسي ثم رددت:
-أهلا وسهلا أيها العصب السابع. مرحبا بك في راحة يدي المتواضعة. أي ريح طيبة أتت بك إلى هنا؟
-نعم،انت بتستعبط؟ ما انت شايفني ناطط قدامك من دماغك
ألجمتني المفاجأة. إذن فما رأيته كان حقيقة و لم أكن أحلم. استجمعت نفسي مرة أخرى ثم رددت:
-عفوا،ماذا تقصد؟
-نعم يا خويا أنا عصبك السابع يا أستاذ سبتلك دماغك المتكلفة دي وماشي. بقالي تلات أيام عمال أنخور في المخروبة دي لغاية ما نفدت بجلدي.
لاحظت أنه كان يشير إلى رأسي عندما ذكر "المخروبة". إذن فهذا الصغير هو المسئول عن كل ما عانيته من آلام في الثلاثة أيام الأخيرة. هل سأستريح برحيله أم هي بداية معاناة جديدة؟ لم هو راحل من الأساس؟ وهل علي إقناعه بالعودة إلى رأسي؟ دارت كل هذه الأسئلة برأسي قبل أن ألاحظ أنه هم بالانصراف فسارعت بالسؤال:
- لم أنت راحل؟
-وأنا أقعد أعمل لك ايه يا أستاذنا؟ بتناملي ساعتين في اليوم و عمال تاكل بس في نفس الوقت عاوز تخس و قاعد لي ليل نهار على النت يعني مش محتاج تتكلم كتير. فأنا قلت في عقل بالي طب ما أنا أريح و أستريح. هأسيب لك عينك الشمال
مفتوحة على طول تقعد على النت براحتك و أخليك متحسش بطعم الأكل عشان الريجيم وإن كان على الكلام فزي ما قلت لك انت مبتتكلمش كتير أصلا.
وفي ظل ذهولي من الكلام، قفز من راحة يدي و مضى بعيدا و لكن قبل أن يبتلعه الظلام، استدار وقال:
-وعلى فكرة أنا كنت بحاول أقنع العصب اليمين ييجي معايا بس هو لسة عنده أمل فيك وإنك ممكن تتغير. عموما أنا قلت له لو حصل ابقى كلمني.
ما لبث أن أنهى جملته الأخيرة ثم غاب عن نظري. وقفت مشدوهاً لبعض الوقت أفكر في كلامه. بدا منطقياً في كلامه فهذا ما عودته عليه ولكن هل الموضوع بهذه البساطة و هل فعلا أستطيع الاستغناء عنه؟ حملت لي الأيام التالية الإجابة .
بعد أن رحل العصب السابع الأيسر، ترك لي نصف وجه متيبس تماما لا شعور و لا حركة فيه. فهذه عيني مفتوحة و هذا فمي لا يتحرك و كذلك أنفي. راحت حاسة التذوق من نصف فمي الأيسر و صارت أذني لا تطيق الصوت الحاد. رحل عضو صغير من رأسي فأعلن باقي الأعضاء العصيان. أراد الجميع أن يلقنوني درسا و أن أدرك قدر نفسي. كانت الأيام التالية هي خير تأكيد لقول الله تعالى "إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ" فأنا إن ظننت أنني أستطيع الاستغناء عن غلق عيني من أجل النوم، فمن لعيني يحميها من التراب و من الضوء و في أثناء نومي؟ و كيف أحافظ عليها رطبة دون اللجوء إلى قطرات و مراهم. و إن ظننت أن تذوق الطعام لا فائدة منه، فكيف أحمد نفسي من الطعام الفاسد أو الحار أو شديد السخونة. و إن ظننت أنه لا داعي من الكلام، فكيف أتنازل عن الابتسام و التجهم و الضحك و هي كلها أدوات منحنا الله إياها للتواصل مع بعضنا البعض.
هو درس قاس و لكني قد تعلمته أو هكذا أظن و ليعلم الجميع أن هناك الكثير من نعم الله علينا لا نؤدي حق شكرها و لا يدرك فضلها إلا من حرم منها.انتهى الدرس و لكني ما زلت أنتظر من العصب الأيمن أن يكلم الأيسر عله يعود.



