Wednesday, September 3, 2014

حديث مع العصب السابع


السبت الماضي لأجد نفسى أشعر بصداع عظيم. ظننت أنه كالعادة بسبب قلة النوم. فما لبثت أن شربت كوبا من القهوة، بل كوبين وابتلعت حبات المسكنات ظنا مني أن ذلك قد يطفئ نار الصداع. ولكن يبدو أني كنت مخطئاً. وكيف لا! فقد لاحظت ظهور آلام بالعين واختفاء لحاسة التذوق بالفم. (يبدو وأننا مقبلون على أيام تاريخية يا فندم.)
استمر الوضع في الاستياء والأعراض في الازدياد حتى حدثت المفاجأة فى اليوم الثالث. فها هو يقفز أمامي من داخل رأسي الى راحة يدي. صفير قصير يبدو مألوفا بالنسبة لي. لقد رأيته من قبل ولكن منذ زمن بعيد. نعم نعم تذكرت الآن، هو ذاك الذي كنا نستذكره في علم الاحياء. ماذا كان اسمه؟ ماذا كان اسمه؟ نعم كان اسمه neuron و بالعربية " عصبون". ما كدت أنطق اسمه حتى صرخ في "أنا مش أي عصبون يا أستاذ. أنا العصب السابع". دائما ما كنت أكره علم الأحياء ولا عجب إذا من عدم إدراكي للفارق فأنا آتي من خلفية هندسية. ولكن مهلا، معلوماتي البسيطة تخبرني أنه لا يجب أن يكون هنا في راحة يدي. هل ضل طريقه؟ وماذا يريد مني؟ طردت الأفكار الشريرة من رأسي ثم رددت:

-أهلا وسهلا أيها العصب السابع. مرحبا بك في راحة يدي المتواضعة. أي ريح طيبة أتت بك إلى هنا؟
-نعم،انت بتستعبط؟ ما انت شايفني ناطط قدامك من دماغك
ألجمتني المفاجأة. إذن فما رأيته كان حقيقة و لم أكن أحلم. استجمعت نفسي مرة أخرى ثم رددت:
-عفوا،ماذا تقصد؟
-نعم يا خويا أنا عصبك السابع يا أستاذ سبتلك دماغك المتكلفة دي وماشي. بقالي تلات أيام عمال أنخور في المخروبة دي لغاية ما نفدت بجلدي.
لاحظت أنه كان يشير إلى رأسي عندما ذكر "المخروبة". إذن فهذا الصغير هو المسئول عن كل ما عانيته من آلام في الثلاثة أيام الأخيرة. هل سأستريح برحيله أم هي بداية معاناة جديدة؟ لم هو راحل من الأساس؟ وهل علي إقناعه بالعودة إلى رأسي؟ دارت كل هذه الأسئلة برأسي قبل أن ألاحظ أنه هم بالانصراف فسارعت بالسؤال:
- لم أنت راحل؟
-وأنا أقعد أعمل لك ايه يا أستاذنا؟ بتناملي ساعتين في اليوم و عمال تاكل بس في نفس الوقت عاوز تخس و قاعد لي ليل نهار على النت يعني مش محتاج تتكلم كتير. فأنا قلت في عقل بالي طب ما أنا أريح و أستريح. هأسيب لك عينك الشمال 
مفتوحة على طول تقعد على النت براحتك و أخليك متحسش بطعم الأكل عشان الريجيم وإن كان على الكلام فزي ما قلت لك انت مبتتكلمش كتير أصلا.
وفي ظل ذهولي من الكلام، قفز من راحة يدي و مضى بعيدا و لكن قبل أن يبتلعه الظلام، استدار وقال:
-وعلى فكرة أنا كنت بحاول أقنع العصب اليمين ييجي معايا بس هو لسة عنده أمل فيك وإنك ممكن تتغير. عموما أنا قلت له لو حصل ابقى كلمني.
ما لبث أن أنهى جملته الأخيرة ثم غاب عن نظري. وقفت مشدوهاً لبعض الوقت أفكر في كلامه. بدا منطقياً في كلامه فهذا ما عودته عليه ولكن هل الموضوع بهذه البساطة و هل فعلا أستطيع الاستغناء عنه؟ حملت لي الأيام التالية الإجابة .
بعد أن رحل العصب السابع الأيسر، ترك لي نصف وجه متيبس تماما لا شعور و لا حركة فيه. فهذه عيني مفتوحة و هذا فمي لا يتحرك و كذلك أنفي. راحت حاسة التذوق من نصف فمي الأيسر و صارت أذني لا تطيق الصوت الحاد. رحل عضو صغير من رأسي فأعلن باقي الأعضاء العصيان. أراد الجميع أن يلقنوني درسا و أن أدرك قدر نفسي. كانت الأيام التالية هي خير تأكيد لقول الله تعالى "إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ" فأنا إن ظننت أنني أستطيع الاستغناء عن غلق عيني من أجل النوم، فمن لعيني يحميها من التراب و من الضوء و في أثناء نومي؟ و كيف أحافظ عليها رطبة دون اللجوء إلى قطرات و مراهم. و إن ظننت أن تذوق الطعام لا فائدة منه، فكيف أحمد نفسي من الطعام الفاسد أو الحار أو شديد السخونة. و إن ظننت أنه لا داعي من الكلام، فكيف أتنازل عن الابتسام و التجهم و الضحك و هي كلها أدوات منحنا الله إياها للتواصل مع بعضنا البعض.
هو درس قاس و لكني قد تعلمته أو هكذا أظن و ليعلم الجميع أن هناك الكثير من نعم الله علينا لا نؤدي حق شكرها و لا يدرك فضلها إلا من حرم منها.انتهى الدرس و لكني ما زلت أنتظر من العصب الأيمن أن يكلم الأيسر عله يعود.

كوبرى المشاة


مرت عليه فى الصباح كعادتها ووجدته مهموما كعادته. فى عينيه الحزن المعتاد و تجاعيد وجهه تد 
على الإهمال الشديد و عدم الرغبة فى الحياة. كانت تحادث نفسها فى كل مرة أن تتحدث إليه علها تستطيع إخراجه من حالته تلك، ولكنها فى كل مرة كانت تدفعها الرهبة منه بعيدا. فارق السن بينهما كبير و هى تشك أن تستطيع فى سنها هذا أن تنجح فى التسرية عنه. لا بد و أنه رأى مآسي كثيرة فى حياته نقشت هذه النظرة الحزينة على وجهه. هذا ما فكرت فيه و لكنها تذكرت أن صديقاتها يسمونها "بهجة الحياة"، فاستدعت شجاعتها و طارت تجاهه ثم حطت على يديه و قالت بصوتها العذب: "أما آن لك أن تتبسم؟!"
وقع صوتها عليه كصدمة الكهرباء تحاول إعادته للحياة. و كيف لا؟ فربما هذا هو أول سؤال يوجه إليه منذ عقود بعد أن غط فى سبات عميق. نظر إليها باندهاش و تنهد ثم قال: "أتبسم؟ ! هل تظنين حقا أنى أستطيع أن أتبسم بعد كل ما رأيت؟!" وجد علامات الاستغراب ارتسمت على وجهها، فاستطرد قائلا: "لقد تصورت يا ابنتى يوم بناني بنو الإنسان فى هذا المكان أنهم فى حاجة إلى و أنني قد أصبح لى دور فى إسعادهم و تنظيم حياتهم. وقتها كانت البسمة رفيقتى و كنت أستيقظ كل صباح آملا فى أداء دورى الذى اختاروه لي بمحض إرادتهم و كنت راضيا به بل الأصح أن أقول أنني كنت سعيدا به. و لكن يبدو أنهم كانوا لا يدرون ما يريدون أو لا يريدون ما يحتاجون. فهأنذا منذ ذلك اليوم و أنا قابع فى مكاني هذا و لا يمر فوقى إلا من رحم ربي. و أرى بعيني الحوادث البشعة التي لا ينجو منها كبار أو صغار. و إن قدر الله السلامة، أرى تكدس السيارات و بطء مسيرتهم بسبب من استباحوا الطريق. حيرنى هذا فى من كرمه الله و اصطفاه دون بقية خلقه. هل يعي حقا ما يفعل؟ يصرف الآلاف لبنائي ثم لا يُفعل قوانينه لاستخدامي، يفضل المرور وسط السيارات مخاطرا بحياته و حياة من حوله على أن يمر من فوقي معززا مكرما، يتسبب فى تكدس المرور باستباحته الطريق ثم يشكو من الزحام و ضياع الوقت. اهتممت سابقا بنظافتي و صيانتي من أجله و لكنه فضل اللامعقول. فما كان منى إلا أن انزويت بنفسي و أصابني ما ترين من الهم و الحزن"
كانت تستمع إليه و لا تدرى بم تجيبه. لقد أرادت إسعاده فنجح هو فى إتعاسها. طارت بعيدا و نظرت إلى الطريق و ما فيه من سيارات تحاول المرور فقررت الابتعاد حتى تغرد بعيدا عن ضجيج الإنسان.

خجلت و لم نخجل


نظرت إليها في غضب فنظرت إلي في خجل. عاتبتها بنظراتي فتوارت خجلا ولسان حالها لعل الأرض تنشق وتبتلعني.. أما صاحبها فلم يبالي و رأيت في عينيه مزيج عجيب من الدهشة والقرف والغضب مما أفعل. ظهر ذلك على قسمات وجهه. و امتد كذلك إلى رد فعله. فبينما أعاتبها كان هو يتلفظ بما تعف قصصي عن ذكره، بل بما يخرج عن تردد أذناي. 
تركها وتحرك ناحيتي محاولا أن يثنيني عن قراري أو لعله قصد أن يجبرني على ذلك.وكعادة المصريين تجمع الكثير من حولنا وأرادوا كذلك أن يثنوني عن قراري. ابتسمت ابتسامة خفيفة وقلت لهم بكل حزم ووضوح أن هذا أبدا لن يكون. لقد اعتدت فعل الصواب ويوم عاري هو يوم أن أساعد من يمتطي الخطأ. انتهت كلماتي وابتسمت ثانية لهم ثم أخذت أترقب ردود أفعالهم.
صاحبنا تغير لونه حتى ظننت أنه سيقطر دما. أما من تجمع حولنا فلما رأوا إصراري على موقفي، فما كان منهم إلا أن تكاثروا على الرجل ليلزم الحق. تعجبت ساعتها كيف أن موقفا واحدا لفرد قد يُجلي الحقيقة لكثيرين فيهبوا لنصرتها.
تركت لهم مهمة إقناعه وعدت لها أعاتبها من جديد. فرأيت دموعا في عينيها ما لبثت أن كففتها ثم رمقتني بنظرة قائلة "وماذا عساي أن أفعل؟ ألستم أنتم من تملكون مصيرنا؟ ألستم أنتم من تتحكمون فينا يمينا ويسارا؟ كيف تريد مني أن أعصى من وليتموه أمري؟ أحاول كثيرا أن أثنيه عن أخطائه فأرتطم بهذا أو ألمس تلك عله يرتدع ولكن يبدو أنه لا يعبأ بي أو بهيئتي بل يبدو أنه لا يعبأ بشئ على الإطلاق .لا أدب ولا حسن سلوك ولا أخلاق. هو أقرب إلى القوادة منه إلى القيادة. ثم تأتي أنت وتعاتبني أن اعترض طريقك!! 
قالت جملتها الأخيرة وصاحبها يبتعد يها عن طريقي. فحمدت الله وأنا لا أدري إن كنت أحمده أن كف عني سباب صاحبنا أم أحمده أن صار طريقي مُرحبا أم أحمده أن انتصرت للحق أم تراني أحمده أن كف عني عتابها وما ألقته في نفسي من تعاسة إذ رأيت النخاسة عادت من جديد.