Saturday, August 25, 2018

الهاتف الذكي

مثل كل يوم لم أستطع أن أواصل نومي كما أردت حيث أرادت مالكتي أن تستيقظ باكرة لتذهب للجامعة. أنا أصلا لم أنم إلا سويعات قليلة حتى إنني لم أشبع نهمي وأستعد طاقتي كاملة كما تمنيت بعد عناء الليلة الماضية. ولكنني استسلمت للأمر الواقع ودعوت ربي أن يكون اليوم أفضل من سابقيه. سرعان ما تلاشى هذا الحلم فهاهي تلكزني من أجل أن توقفني عن غناء الأغنية التي اختارتها هي بنفسها واختارت ميعادها كذلك. فياللعجب! وبدلا من أن تعتذر لي أو أن تتركني أنفض عني غبار النوم، هرعت إلي من قبل حتى أن تترك سريرها لتفتش في ثناياي عن رسالة هنا أو صورة هناك. وها هي تضحك مما تجده دون أن تكترث لحالي المسكين. 
أخيرا قامت من سريرها وظننت أنا المغلوب على أمري أني قد أستطيع أن أستريح قليلا قبل أن يبدأ اليوم ولكنها لم تتركني أهنأ. فهي لم تكف عن مطالعة الرسائل والصور والأغاني والفيديوهات وكل ما حملته على عاتقي من أجلها. لم تكف عن ذلك وهي ترتدي ملابسها، وهي تصفف شعرها، وهي تتناول فطورها، حتى إنها لم تنتبه لوداع والدتها وهي تترك البيت حيث كانت تستخدمني من أجل أن أرسل رسالة لصديقاتها.
إذن فهو يوم شاق مثل سابقيه وأي أنين أو اعتراض في صورة توقف عن العمل أو عدم اتباع الأوامر، سيكون مصيره إغفاءة بسيطة لا تتعدى لحظات لا لكي أستريح بل لأواصل عملي من جديد. هي لم تتركني حتى في أثناء المحاضرات بل واصلت عبثها بي من أجل "التواصل" مع العالم. لقد توهمت يوما أنني فعلا أساعدها على هذا التواصل ولكن أي تواصل هذا الذي يعزلها عن محاضراتها وعن محيطها؟ أي تواصل هذا الذي يجعلها لا تجيب على والدتها ولا تتشارك مع أسرتها ومع صديقاتها أحلامها وطموحاتها وأخبارها إلا من خلالي؟ أي تواصل هذا الذي يجعلها تنظر لي أكثر من النظر لما حولها وتلهو معي بدلا من أن تلهو مع أشقائها؟ 
لقد اعتقدت أنني بتوفيري كل الخدمات في قبضة يدها أساعدها على التركيز على ما هو أفضل لها ولمجتمعها. وهأنذا أدفع ثمن غبائي. نعم غبائي. لقد أوهموني أنني "ذكي" ولكن أي ذكاء هذا وأنا لم أعد أقدر أن أهرب من قبضتها؟ أي ذكاء هذا وأنا لم يعد لدي وقت أن أقوم بعمليات مع أقراني من أجل تطوير العالم وتحسين الحياة؟ لقد أصبح جل همي أن أتتبع أخبار هذا أو تلك، وأشارك في السخرية من الكبير قبل الصغير، وأعرض كل ما هو تافه في كافة المجالات. أي ذكاء هذا وأنا أفصل المرء عمن سواه وأبذل كل طاقتي في سبيل ذلك؟
دارت كل هذه الأفكار في مخيلتي طوال اليوم وأنا أرى مالكتي لا تتوقف عن الاستمتاع بتعذيبي ولكن لحسن حظي وسوء حظها، لا لا بل لحسن حظي وحظها، نسيت في هذه اليوم أن تحضر معها طعاما لي. فما لبثت أن مرت بضع ساعات إلا وقد أنهكت قوتي ونفدت طاقتي وذهبت في سبات عميق وتركتها وحدها دون رفيقها "الذكي".

Wednesday, September 3, 2014

حديث مع العصب السابع


السبت الماضي لأجد نفسى أشعر بصداع عظيم. ظننت أنه كالعادة بسبب قلة النوم. فما لبثت أن شربت كوبا من القهوة، بل كوبين وابتلعت حبات المسكنات ظنا مني أن ذلك قد يطفئ نار الصداع. ولكن يبدو أني كنت مخطئاً. وكيف لا! فقد لاحظت ظهور آلام بالعين واختفاء لحاسة التذوق بالفم. (يبدو وأننا مقبلون على أيام تاريخية يا فندم.)
استمر الوضع في الاستياء والأعراض في الازدياد حتى حدثت المفاجأة فى اليوم الثالث. فها هو يقفز أمامي من داخل رأسي الى راحة يدي. صفير قصير يبدو مألوفا بالنسبة لي. لقد رأيته من قبل ولكن منذ زمن بعيد. نعم نعم تذكرت الآن، هو ذاك الذي كنا نستذكره في علم الاحياء. ماذا كان اسمه؟ ماذا كان اسمه؟ نعم كان اسمه neuron و بالعربية " عصبون". ما كدت أنطق اسمه حتى صرخ في "أنا مش أي عصبون يا أستاذ. أنا العصب السابع". دائما ما كنت أكره علم الأحياء ولا عجب إذا من عدم إدراكي للفارق فأنا آتي من خلفية هندسية. ولكن مهلا، معلوماتي البسيطة تخبرني أنه لا يجب أن يكون هنا في راحة يدي. هل ضل طريقه؟ وماذا يريد مني؟ طردت الأفكار الشريرة من رأسي ثم رددت:

-أهلا وسهلا أيها العصب السابع. مرحبا بك في راحة يدي المتواضعة. أي ريح طيبة أتت بك إلى هنا؟
-نعم،انت بتستعبط؟ ما انت شايفني ناطط قدامك من دماغك
ألجمتني المفاجأة. إذن فما رأيته كان حقيقة و لم أكن أحلم. استجمعت نفسي مرة أخرى ثم رددت:
-عفوا،ماذا تقصد؟
-نعم يا خويا أنا عصبك السابع يا أستاذ سبتلك دماغك المتكلفة دي وماشي. بقالي تلات أيام عمال أنخور في المخروبة دي لغاية ما نفدت بجلدي.
لاحظت أنه كان يشير إلى رأسي عندما ذكر "المخروبة". إذن فهذا الصغير هو المسئول عن كل ما عانيته من آلام في الثلاثة أيام الأخيرة. هل سأستريح برحيله أم هي بداية معاناة جديدة؟ لم هو راحل من الأساس؟ وهل علي إقناعه بالعودة إلى رأسي؟ دارت كل هذه الأسئلة برأسي قبل أن ألاحظ أنه هم بالانصراف فسارعت بالسؤال:
- لم أنت راحل؟
-وأنا أقعد أعمل لك ايه يا أستاذنا؟ بتناملي ساعتين في اليوم و عمال تاكل بس في نفس الوقت عاوز تخس و قاعد لي ليل نهار على النت يعني مش محتاج تتكلم كتير. فأنا قلت في عقل بالي طب ما أنا أريح و أستريح. هأسيب لك عينك الشمال 
مفتوحة على طول تقعد على النت براحتك و أخليك متحسش بطعم الأكل عشان الريجيم وإن كان على الكلام فزي ما قلت لك انت مبتتكلمش كتير أصلا.
وفي ظل ذهولي من الكلام، قفز من راحة يدي و مضى بعيدا و لكن قبل أن يبتلعه الظلام، استدار وقال:
-وعلى فكرة أنا كنت بحاول أقنع العصب اليمين ييجي معايا بس هو لسة عنده أمل فيك وإنك ممكن تتغير. عموما أنا قلت له لو حصل ابقى كلمني.
ما لبث أن أنهى جملته الأخيرة ثم غاب عن نظري. وقفت مشدوهاً لبعض الوقت أفكر في كلامه. بدا منطقياً في كلامه فهذا ما عودته عليه ولكن هل الموضوع بهذه البساطة و هل فعلا أستطيع الاستغناء عنه؟ حملت لي الأيام التالية الإجابة .
بعد أن رحل العصب السابع الأيسر، ترك لي نصف وجه متيبس تماما لا شعور و لا حركة فيه. فهذه عيني مفتوحة و هذا فمي لا يتحرك و كذلك أنفي. راحت حاسة التذوق من نصف فمي الأيسر و صارت أذني لا تطيق الصوت الحاد. رحل عضو صغير من رأسي فأعلن باقي الأعضاء العصيان. أراد الجميع أن يلقنوني درسا و أن أدرك قدر نفسي. كانت الأيام التالية هي خير تأكيد لقول الله تعالى "إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ" فأنا إن ظننت أنني أستطيع الاستغناء عن غلق عيني من أجل النوم، فمن لعيني يحميها من التراب و من الضوء و في أثناء نومي؟ و كيف أحافظ عليها رطبة دون اللجوء إلى قطرات و مراهم. و إن ظننت أن تذوق الطعام لا فائدة منه، فكيف أحمد نفسي من الطعام الفاسد أو الحار أو شديد السخونة. و إن ظننت أنه لا داعي من الكلام، فكيف أتنازل عن الابتسام و التجهم و الضحك و هي كلها أدوات منحنا الله إياها للتواصل مع بعضنا البعض.
هو درس قاس و لكني قد تعلمته أو هكذا أظن و ليعلم الجميع أن هناك الكثير من نعم الله علينا لا نؤدي حق شكرها و لا يدرك فضلها إلا من حرم منها.انتهى الدرس و لكني ما زلت أنتظر من العصب الأيمن أن يكلم الأيسر عله يعود.

كوبرى المشاة


مرت عليه فى الصباح كعادتها ووجدته مهموما كعادته. فى عينيه الحزن المعتاد و تجاعيد وجهه تد 
على الإهمال الشديد و عدم الرغبة فى الحياة. كانت تحادث نفسها فى كل مرة أن تتحدث إليه علها تستطيع إخراجه من حالته تلك، ولكنها فى كل مرة كانت تدفعها الرهبة منه بعيدا. فارق السن بينهما كبير و هى تشك أن تستطيع فى سنها هذا أن تنجح فى التسرية عنه. لا بد و أنه رأى مآسي كثيرة فى حياته نقشت هذه النظرة الحزينة على وجهه. هذا ما فكرت فيه و لكنها تذكرت أن صديقاتها يسمونها "بهجة الحياة"، فاستدعت شجاعتها و طارت تجاهه ثم حطت على يديه و قالت بصوتها العذب: "أما آن لك أن تتبسم؟!"
وقع صوتها عليه كصدمة الكهرباء تحاول إعادته للحياة. و كيف لا؟ فربما هذا هو أول سؤال يوجه إليه منذ عقود بعد أن غط فى سبات عميق. نظر إليها باندهاش و تنهد ثم قال: "أتبسم؟ ! هل تظنين حقا أنى أستطيع أن أتبسم بعد كل ما رأيت؟!" وجد علامات الاستغراب ارتسمت على وجهها، فاستطرد قائلا: "لقد تصورت يا ابنتى يوم بناني بنو الإنسان فى هذا المكان أنهم فى حاجة إلى و أنني قد أصبح لى دور فى إسعادهم و تنظيم حياتهم. وقتها كانت البسمة رفيقتى و كنت أستيقظ كل صباح آملا فى أداء دورى الذى اختاروه لي بمحض إرادتهم و كنت راضيا به بل الأصح أن أقول أنني كنت سعيدا به. و لكن يبدو أنهم كانوا لا يدرون ما يريدون أو لا يريدون ما يحتاجون. فهأنذا منذ ذلك اليوم و أنا قابع فى مكاني هذا و لا يمر فوقى إلا من رحم ربي. و أرى بعيني الحوادث البشعة التي لا ينجو منها كبار أو صغار. و إن قدر الله السلامة، أرى تكدس السيارات و بطء مسيرتهم بسبب من استباحوا الطريق. حيرنى هذا فى من كرمه الله و اصطفاه دون بقية خلقه. هل يعي حقا ما يفعل؟ يصرف الآلاف لبنائي ثم لا يُفعل قوانينه لاستخدامي، يفضل المرور وسط السيارات مخاطرا بحياته و حياة من حوله على أن يمر من فوقي معززا مكرما، يتسبب فى تكدس المرور باستباحته الطريق ثم يشكو من الزحام و ضياع الوقت. اهتممت سابقا بنظافتي و صيانتي من أجله و لكنه فضل اللامعقول. فما كان منى إلا أن انزويت بنفسي و أصابني ما ترين من الهم و الحزن"
كانت تستمع إليه و لا تدرى بم تجيبه. لقد أرادت إسعاده فنجح هو فى إتعاسها. طارت بعيدا و نظرت إلى الطريق و ما فيه من سيارات تحاول المرور فقررت الابتعاد حتى تغرد بعيدا عن ضجيج الإنسان.

خجلت و لم نخجل


نظرت إليها في غضب فنظرت إلي في خجل. عاتبتها بنظراتي فتوارت خجلا ولسان حالها لعل الأرض تنشق وتبتلعني.. أما صاحبها فلم يبالي و رأيت في عينيه مزيج عجيب من الدهشة والقرف والغضب مما أفعل. ظهر ذلك على قسمات وجهه. و امتد كذلك إلى رد فعله. فبينما أعاتبها كان هو يتلفظ بما تعف قصصي عن ذكره، بل بما يخرج عن تردد أذناي. 
تركها وتحرك ناحيتي محاولا أن يثنيني عن قراري أو لعله قصد أن يجبرني على ذلك.وكعادة المصريين تجمع الكثير من حولنا وأرادوا كذلك أن يثنوني عن قراري. ابتسمت ابتسامة خفيفة وقلت لهم بكل حزم ووضوح أن هذا أبدا لن يكون. لقد اعتدت فعل الصواب ويوم عاري هو يوم أن أساعد من يمتطي الخطأ. انتهت كلماتي وابتسمت ثانية لهم ثم أخذت أترقب ردود أفعالهم.
صاحبنا تغير لونه حتى ظننت أنه سيقطر دما. أما من تجمع حولنا فلما رأوا إصراري على موقفي، فما كان منهم إلا أن تكاثروا على الرجل ليلزم الحق. تعجبت ساعتها كيف أن موقفا واحدا لفرد قد يُجلي الحقيقة لكثيرين فيهبوا لنصرتها.
تركت لهم مهمة إقناعه وعدت لها أعاتبها من جديد. فرأيت دموعا في عينيها ما لبثت أن كففتها ثم رمقتني بنظرة قائلة "وماذا عساي أن أفعل؟ ألستم أنتم من تملكون مصيرنا؟ ألستم أنتم من تتحكمون فينا يمينا ويسارا؟ كيف تريد مني أن أعصى من وليتموه أمري؟ أحاول كثيرا أن أثنيه عن أخطائه فأرتطم بهذا أو ألمس تلك عله يرتدع ولكن يبدو أنه لا يعبأ بي أو بهيئتي بل يبدو أنه لا يعبأ بشئ على الإطلاق .لا أدب ولا حسن سلوك ولا أخلاق. هو أقرب إلى القوادة منه إلى القيادة. ثم تأتي أنت وتعاتبني أن اعترض طريقك!! 
قالت جملتها الأخيرة وصاحبها يبتعد يها عن طريقي. فحمدت الله وأنا لا أدري إن كنت أحمده أن كف عني سباب صاحبنا أم أحمده أن صار طريقي مُرحبا أم أحمده أن انتصرت للحق أم تراني أحمده أن كف عني عتابها وما ألقته في نفسي من تعاسة إذ رأيت النخاسة عادت من جديد.

Wednesday, August 22, 2012

عندما تبكي الشوكولاتة


طال انتظارها على الرف حتى بدأت تتساءل عن سبب وجودها في المكان بل دار بعقلها السؤال الشهير "لم خلقت؟ وما دوري في هذه الحياة؟" لطالما دار هذا السؤال في مخيلتها وخشت أن تبوح به. ولكن الآن وبعد مرورأسبوع وهي لا تدري ما عساها أن تفعل استجمعت شجاعتها وصاحت "لماذا نحن هنا؟"
اضطرب الجميع من السؤال ولكن أكبرهم سنا ضحكت وقالت بصوت رخيم "ظننت أنه لن يسأل أحد هذا السؤال هذه المرة. اسمعي يا ابنتي، بداخل كل واحدة منا حلوى جميلة يحبها الإنسان. الإنسان الذي سخر الله له ما في السماوات وما في الأرض.نحن إذا مسخرون كذلك من أجله حتى نحفظ له هذه الحلوى من الفساد أو من عبث العابثين. وإن كنت تظنين أن في هذا مشقة لا داعي لتحملها فانتظري حتى تري السعادة على وجه الإنسان عندما يستمتع بماحفظناه له من حلوى. إنها سعادة يهون لها طول انتظار ومشقة"
أعجبت السائلة بالإجابة وامتلأت بالشعور بالمسئولية والأهمية. ولكنها أيضا ازداد اشتياقها لتلك اللحظة التي سترى فيها هذه السعادة على إنسان ممن كرم الله. أراد الله ألا تنتظر كثيرا فما مر إلا يومين بعد هذا الحوار إلا ووجدت يد طفل صغير تمتد إليها. قام الولد بعد ذلك بإعطائها للأب الذي جلب إحدى شقيقاتها أيضا وقام بدفع المال لصاحب المتجر ورحل هو وطفله.
بدأت صديقتنا رحلتها مع شقيقتها في السيارة مع الولد وأبيه. كان الولد ممسكا بها وهي تتوق لتلك اللحظة التي تحقق فيها دورها. شعرت بتمزق بسيط ولكنها لاحظت السعادة على وجه الطفل فهان عليها الوجع. "لقد كانت صديقتنا على صواب" حدثت نفسها بذلك وهي ترى ابتسامة عريضة ترتسم على شفاه الطفل. شعرت بسعادة غامرة أن ساعدت فى إسعاد ذلك الطفل وقامت بدورها الذي جبلها الله عليه.
ولكن مع اقتراب الطفل من الانتهاء من الحلوى جال بخاطرها فكرة "وماذا بعد؟ لم تخبرنا صديقتنا عما سيحدث بعد ذلك" الخوف من المجهول هو أصعب أنواع الخوف وأكثرها ترويعا. أخذت تفكر "ماذا عساي أن أفعل بعد أن ينتهي من أكل الحلوى؟ يا ليتني سألت هذا السؤال أيضا"
مرت اللحظات عليها كالدهر ولكن جاءت لحظة الحسم. انتهى الطفل من أكل الحلوى فما كان منه سوى أن قام بفتح نافذة السيارة وألقى بها في الشارع وفعل والده مثله مع شقيقتها. كانت مفاجأة كبيرة للأختين. من فرط الدهشة لم يصرخا أويبكيا بل تركا نفسهما للهواء يحملهما . ظنا لوهلة أن مصيرهما قد يكون مثل اليرقات حين يحيلهم الله فراشات تطير ولكن لم يشأ الله أن تصير لهما أجنحة فما لبثا أن أفاقا من حلمهما على واقع جديد. إنهما الآن على الأرض في عرض الطريق.
نظرت إلى شقيقتها نظرة حزينة وانتظرا معا المصير المشئوم. هما الآن لا حول لهما ولا قوة. تدوسهما إطارات السيارات وأقدام المارين. تتقاذفهما تيارات الهواء فتلقي بهما في أماكن جديدة لتنهشهما إطارات وأقدام أخرى أو تلقي بهما وسط روث الحيوانات فيتمنيا لو يقضى الله عليهما حتى لا يدوم هذا العذاب.
في إحدى نزوات تيارات الهواء انضمت لهما رفيقة جديدة بدا عليها الإعياء من كثر ما عانت من العذاب. سألتها صاحبتنا "أهذا هو مصيرنا المحتوم؟ ألا فكاك لنا منه؟" بكت الوافدة الجديدة وحكت لهما عما عانته منذ أن ألقي بها في عرض الطريق منذ شهر تقريبا. وأخبرتهما أنها لا تعرف متى ينتهي هذا العذاب. أخبرتهما كذلك أنها تعرف آخرين شاء الله ألا يلاقوا نفس الهوان الذى لقياه بل أكرمهم الله بأن صانهم من اشتراهم، فإما أحالهم جزءا من أعمال فنية تستمتع العيون بالنظر إليهم، أو أحسن التخلص منهم فعادت لهم الحياه مرة أخرى ولكن في صورة جديدة.
كانا يستمعان والحسرة تملأ أعينهما و يتساءلان "لماذا صرنا نحن إلى هذا المصير؟ هل قصرنا في أداء واجبنا؟ لقد أتممنا مهمتنا على أكمل وجه ورأينا السعادة على وجه من اشترانا. لماذا رمينا في عرض الطريق؟ الولد معذور فوالده قدوته فعل ذلك أمامه، أما الرجل فما باله لا يرى حرجا من فعلته؟ أهذا حقا هو من كرم اللهُ وسخر له الكون لخدمته؟ ألم يعلمه دينه النظافة؟ أهكذا يرد الجميل لمن خدمه وعمل على إسعاده؟ بل أهكذا يشكر نعمة الله عليه؟" مرت كل هذه الأفكار عليهما وقبل أن يجدا إجابات لأسئلتهما مرت عليهما إطارات إحدى السيارات الكبيرة، فتوقفتا عن التفكير حتى يزول ما استجد من الآلام.  

Saturday, August 18, 2012

حزنت حين فرح الجميع


إنه يوم فرح الجميع إلا أنا، يوم سعادة ومرح ولكنه بالنسبة لي يوم حزين. كيف لا؟ أليس هو اليوم الذي ينصرف عني الزائرون فيه بعد أن اعتدت زيارتهم كل يوم خمس مرات وأكثر ؟ أليس هو اليوم الذي يرحل فيه المعتكفون الذين احتضنتهم  بين جدراني؟.
كنت أستيقظ على الأذكار وأنام عليها. كنت أستمتع بالقرآن صبح مساء خارجا من أفواه المصلين غضا طريا. كنت أشاهد بني آدم وأغبطهم على همتهم في الصلاة و القيام والركوع والسجود. كنت أسمع دعائهم كل يوم وأؤَمِّن عليه معهم. كنت أدعو الله أن يستجيب لهم ويتقبل منهم.
شعرت بسعادة غامرة طوال الثلاثين يوما الماضية واهتزت جنباتى طربا وسعادة من فرط الإيمان الذي امتلأ به المكان. ولكن قدر كل شيء جميل في هذه الدنيا إلى زوال. ومع ذلك فما زال لدي أمل أن تختلف الظروف هذه المرة. أتمنى أن تدوم فرحتي ولا أُصدم كما يحدث كل عام. لذا فأنا أستحلفكم بالله ألا تجعلوا يوم فرحكم أتعس يوم لي.

Monday, August 6, 2012

إشارة مرور




تعددت لقاءاتنا وكثرت حتى بدأ الناس في الكلام عنا ولم لا؟ فتصرفاتي تجاهها لا يمكن تجاهلها أو التغاضي عنها، يراها القريب والبعيد ولا يستطيعون أن يخفوا تعجبهم مما أفعله لأجلها وفي حضورها. قصتي معها شيقة وجديرة بالاهتمام ولكن قبل أن أقصها عليكم دعوني أعرفكم بنفسي أولا.
أنا واحد من فصيل أوشك على الفناء. واحد من أولئك الذين لا يزالون يحلمون بالمثالية في مكان نسي أهله أنهم كانوا في يوم من الأيام عنوانا لها، في مكان جعل أهله العشوائية و"الفهلوة" رمزا للمهارة والذكاء الاجتماعي. واحد من أولئك الذين يرفضون قيادة سيارتهم عكس اتجاه السير لأي سبب كان بل ويقف في وجه من يفعل ذلك. واحد من أولئك الذين يرفضون إلقاء القمامة في الشارع بل ويوبخ أو ينصح من يفعل ذلك. واحد من أولئك الذين يرفضون ترك سياراتهم في الانتظار صف ثاني أو ثالث ولو كلفهم ذلك المسير مسافات طويلة. هل اقتنعتم الآن أنني من فصيل نادر؟
هي اقتنعت بذلك. ورأت أنني أنسب شخص لها. فمن غيري سيقف لها احتراما؟ ومن غيري سينصت لما تقول؟ بل من غيري سيلحظ وجودها وسط الناس؟ هي تدرك ذلك جيدا ولذلك أرادت أن تلفت انتباهي إليها وأن تتحدث لي. أما أنا، فعندما عدت من الخارج، كنت أيضا مستعدا لرؤيتها وحريصا على الاستماع لها واحترام رغباتها. ولكن للأسف أثار ذلك حفيظة الناس ولم يرق لهم. ولطالما لاموني على ذلك، أحيانا بالنصيحة وكثيرا بالزجر. أوقات قليلة فقط هي تلك التي نجحت فيها في إقناع الناس بالاستماع والإنصات لها، فهي حكيمة ولا تبغي سوى مصلحتنا جميعا. أرجعت الأمر إلى ضعف حجتي وحجتها وتمنيت لو يتغير الحال قريبا.
لم يحدث ذلك مع مرور الوقت. وكان من نتيجة ذلك أن فتر اشتياقي لها ورغبت في الابتعاد عنها و تجنب أماكن تواجدها. لقاءاتنا أصبحت مربكة لي. لم أعد أستطيع التصرف في وجودها، تزداد ضربات قلبي وأعجز عن اتخاذ القرار المناسب. فمن جهة أريد سماع كلامها واحترامه ومن جهة أخرى أخشى كلام الناس. خشيت على نفسي كذلك، فإن أنا توقفت لها داسني الناس وإن لم أفعل داستني كرامتي واحترامي لذاتي. كثيرا ما لاحظت هي ذلك وأراحتني من الارتباك بأن أومضت لي بعينها ببريق ذهبي، تريد أن تريحني من عذاب الضمير ولكنها للأسف أحيانا لا تفعل ذلك. لا أدري لماذا! أهي تختبرني وتريد أن ترى ما أنا فاعل، أم أنها ومن فرط وحدتها وهوانها على الناس تشتاق لأن تتكلم مع أحد وينصت لها وهي ما زالت تدرك أنني أفضل من يفعل ذلك.
يا ليتها تريحني من هذا العذاب النفسي وتخفي عني خضار عينها أو تظهر عينها الحمراء لغيري.