Wednesday, August 22, 2012

عندما تبكي الشوكولاتة


طال انتظارها على الرف حتى بدأت تتساءل عن سبب وجودها في المكان بل دار بعقلها السؤال الشهير "لم خلقت؟ وما دوري في هذه الحياة؟" لطالما دار هذا السؤال في مخيلتها وخشت أن تبوح به. ولكن الآن وبعد مرورأسبوع وهي لا تدري ما عساها أن تفعل استجمعت شجاعتها وصاحت "لماذا نحن هنا؟"
اضطرب الجميع من السؤال ولكن أكبرهم سنا ضحكت وقالت بصوت رخيم "ظننت أنه لن يسأل أحد هذا السؤال هذه المرة. اسمعي يا ابنتي، بداخل كل واحدة منا حلوى جميلة يحبها الإنسان. الإنسان الذي سخر الله له ما في السماوات وما في الأرض.نحن إذا مسخرون كذلك من أجله حتى نحفظ له هذه الحلوى من الفساد أو من عبث العابثين. وإن كنت تظنين أن في هذا مشقة لا داعي لتحملها فانتظري حتى تري السعادة على وجه الإنسان عندما يستمتع بماحفظناه له من حلوى. إنها سعادة يهون لها طول انتظار ومشقة"
أعجبت السائلة بالإجابة وامتلأت بالشعور بالمسئولية والأهمية. ولكنها أيضا ازداد اشتياقها لتلك اللحظة التي سترى فيها هذه السعادة على إنسان ممن كرم الله. أراد الله ألا تنتظر كثيرا فما مر إلا يومين بعد هذا الحوار إلا ووجدت يد طفل صغير تمتد إليها. قام الولد بعد ذلك بإعطائها للأب الذي جلب إحدى شقيقاتها أيضا وقام بدفع المال لصاحب المتجر ورحل هو وطفله.
بدأت صديقتنا رحلتها مع شقيقتها في السيارة مع الولد وأبيه. كان الولد ممسكا بها وهي تتوق لتلك اللحظة التي تحقق فيها دورها. شعرت بتمزق بسيط ولكنها لاحظت السعادة على وجه الطفل فهان عليها الوجع. "لقد كانت صديقتنا على صواب" حدثت نفسها بذلك وهي ترى ابتسامة عريضة ترتسم على شفاه الطفل. شعرت بسعادة غامرة أن ساعدت فى إسعاد ذلك الطفل وقامت بدورها الذي جبلها الله عليه.
ولكن مع اقتراب الطفل من الانتهاء من الحلوى جال بخاطرها فكرة "وماذا بعد؟ لم تخبرنا صديقتنا عما سيحدث بعد ذلك" الخوف من المجهول هو أصعب أنواع الخوف وأكثرها ترويعا. أخذت تفكر "ماذا عساي أن أفعل بعد أن ينتهي من أكل الحلوى؟ يا ليتني سألت هذا السؤال أيضا"
مرت اللحظات عليها كالدهر ولكن جاءت لحظة الحسم. انتهى الطفل من أكل الحلوى فما كان منه سوى أن قام بفتح نافذة السيارة وألقى بها في الشارع وفعل والده مثله مع شقيقتها. كانت مفاجأة كبيرة للأختين. من فرط الدهشة لم يصرخا أويبكيا بل تركا نفسهما للهواء يحملهما . ظنا لوهلة أن مصيرهما قد يكون مثل اليرقات حين يحيلهم الله فراشات تطير ولكن لم يشأ الله أن تصير لهما أجنحة فما لبثا أن أفاقا من حلمهما على واقع جديد. إنهما الآن على الأرض في عرض الطريق.
نظرت إلى شقيقتها نظرة حزينة وانتظرا معا المصير المشئوم. هما الآن لا حول لهما ولا قوة. تدوسهما إطارات السيارات وأقدام المارين. تتقاذفهما تيارات الهواء فتلقي بهما في أماكن جديدة لتنهشهما إطارات وأقدام أخرى أو تلقي بهما وسط روث الحيوانات فيتمنيا لو يقضى الله عليهما حتى لا يدوم هذا العذاب.
في إحدى نزوات تيارات الهواء انضمت لهما رفيقة جديدة بدا عليها الإعياء من كثر ما عانت من العذاب. سألتها صاحبتنا "أهذا هو مصيرنا المحتوم؟ ألا فكاك لنا منه؟" بكت الوافدة الجديدة وحكت لهما عما عانته منذ أن ألقي بها في عرض الطريق منذ شهر تقريبا. وأخبرتهما أنها لا تعرف متى ينتهي هذا العذاب. أخبرتهما كذلك أنها تعرف آخرين شاء الله ألا يلاقوا نفس الهوان الذى لقياه بل أكرمهم الله بأن صانهم من اشتراهم، فإما أحالهم جزءا من أعمال فنية تستمتع العيون بالنظر إليهم، أو أحسن التخلص منهم فعادت لهم الحياه مرة أخرى ولكن في صورة جديدة.
كانا يستمعان والحسرة تملأ أعينهما و يتساءلان "لماذا صرنا نحن إلى هذا المصير؟ هل قصرنا في أداء واجبنا؟ لقد أتممنا مهمتنا على أكمل وجه ورأينا السعادة على وجه من اشترانا. لماذا رمينا في عرض الطريق؟ الولد معذور فوالده قدوته فعل ذلك أمامه، أما الرجل فما باله لا يرى حرجا من فعلته؟ أهذا حقا هو من كرم اللهُ وسخر له الكون لخدمته؟ ألم يعلمه دينه النظافة؟ أهكذا يرد الجميل لمن خدمه وعمل على إسعاده؟ بل أهكذا يشكر نعمة الله عليه؟" مرت كل هذه الأفكار عليهما وقبل أن يجدا إجابات لأسئلتهما مرت عليهما إطارات إحدى السيارات الكبيرة، فتوقفتا عن التفكير حتى يزول ما استجد من الآلام.  

No comments:

Post a Comment